محمد أبو زهرة
1556
زهرة التفاسير
والأمر الثالث : أنهم قاتلوا في سبيل اللّه تعالى فجاهدوا الأعداء واستشهدوا في هذا القتال ، فلهم فضلان : فضل القتال والتقدم ، وفضل الاستمرار فيه والشهادة في سبيل الحق ، وقد بين سبحانه وتعالى الجزاء بقوله تعالت كلماته : وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . السيئات هي ما تسوء ، ومعنى تكفيرها المبالغة في سترها ، حتى تعتبر نسيا منسيا ، وهذا أولى الجزاء ، والثاني : إدخالهم الجنة ، وقد صورها بأقرب صور نراها للنعيم في الدنيا ، وهي الجنة التي تجرى الأنهار من تحتها . هذا ، وإن نعيم الجنة حسى ، وهو فوق ما نراه في الدنيا ، وإن كان تصويره لا يكون إلا بما نراه ، فإن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وفي تقديم تكفير السيئات على إدخال الجنة ما يسميه العلماء التخلية قبل التحلية ، أي تطهيرهم مما كان منهم من سيئات ، ثم تحليتهم بأعظم نعيم يكون في الآخرة . وقد أكد سبحانه وتعالى ذلك الجزاء ب « اللام » الدالة على القسم ، و « بنون التوكيد » الثقيلة ، وبتوكيد معنى الكلام كله بالمصدر ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إذ هو مصدر لما تضمنه معنى لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ومعناه : لأثيبنهم ثوابا ، وقد أكد ذلك الثواب بأنه من عند اللّه تعالى ذي الجلال والإكرام ، وإذا كان من عند اللّه فهو يتضمن رضوانه ، ورضوانه سبحانه وتعالى أكبر ، كما قال تعالى : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ . . . ( 72 ) [ التوبة ] . والثواب أصله من رجوع الشئ إلى حالته ، فكأن الجزاء على العمل رجوع بالعمل إلى الحال التي يكون عليها أو يستحقها ، وقد قال الراغب في ذلك : « والثواب ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله ، فيسمى الجزاء تصورا أنه هو هو ( أي أن الجزاء هو ذات العمل ) ألا ترى كيف جعل اللّه الجزاء نفس العمل : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) [ الزلزلة ] ولم يقل جزاه ، والثواب يقال في الخير والشر ، لكن الأكثر المتعارف في الخير ، وعلى هذا قوله عزّ وجل : ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ .